الشيخ السبحاني
324
مفاهيم القرآن
وأمّا الآية الثامنة : « فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرْضِ انّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُمْ تَنْطِقُون » . « 1 » فالضمير في قوله : « إنّه » يعود إلى الرزق والوعد الواردين في الآية المتقدّمة ، قال سبحانه : « وَفِي السَّماءِ رِزْقكُمْ وَما تُوعَدُون » والمراد من الوعد هو الجنة . ثمّأشار « انّه لحقّمثل ما أنّكم تنطِقُون » وكما أنّ العلم بهذا الأمر - أي النطق - أمر ملموس لا شبهة فيه ، فهكذا الرزق والوعد من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس . حكى الزمخشري عن الأصمعي قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له ، فقال : ممن الرجل ؟ قلت : من بني أصمع ، قال : من أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ، فقال : أتل عليّفتلوت « والذاريات » فلمّا بلغت قوله : « وَفِي السَّماءِ رزْقكُمْ » قال : « حسبك » ، فقام إلى ناقته ، فنحرها ووزّعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى ، فلما حججت مع الرشيد ، طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّفسلّم عليَّ واستقرأ السورة ، فلمّا بلغت الآية ، صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقّاً ، ثمّ قال : وهل غير هذا ؟ فقرأت : « فوربّ السّماء والأرض انّه لحقّ » فصاح ، وقال : يا سبحان اللَّه من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين ، قالها ثلاثاً ، وخرجت معها نفسه . « 2 » إلى هنا تمّ تفسير الآيات التي أقسم فيها سبحانه بربوبيّته ، وإليك الكلام في المقسم به ، والمقسم عليه .
--> ( 1 ) الذاريات : 23 . ( 2 ) الكشاف : 3 / 169 .